الثعلبي
50
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً « 1 » : وقرأ عبيد عن عمير مُحْضِراً بكسر الضاد يريد أن عمله يحضره الجنّة يسرع به من الحضور أو الحضر . وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ : جعل بعضهم خبرا في موضع النصب ، وأعمل فيها الوجود وجعل عملت صلة لها ، أي : ويجد عملها ، وجعله بعضه خبرا مستأنفا ، وحينئذ يجوز في تَوَدُّ الرفع ، والجزم ، دليل هذا التأويل : قراءة عبد اللّه وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ . لَوْ أَنَّ بَيْنَها : بين النفس وَبَيْنَهُ : يعني بين السوء أَمَداً بَعِيداً : والأمد : الأجل والغاية الّتي ينتهي إليها . قال اللّه : أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً « 2 » ، وقال : فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ « 3 » . قال النابغة : ألا لمثلك أو من أنت سابقة * بسبق الجواد إذا ستويا على الأمد قال السدي : أَمَداً بَعِيداً أي : مكان بعيد . مقاتل : كما بين المشرق والمغرب . قال الحسن : ليس أحدهم أن لا يلقى عمله أبدا ولا يودّ لو أن يعلمه . وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ : أي بالمؤمنين منهم . قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ الآية ، قال الحسن وابن جريج : زعم أقوام على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّهم يحبّون اللّه ، فقالوا : يا محمّد إنّا نحب ربّنا ، فأنزل اللّه عز وجل هذه الآية ، وجعل اتّباع نبيه علما لحبّه تعالى . وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال : وقف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على قريش وهم في المسجد الحرام ، وقد نصبوا أصنامهم وعلّقوا عليها بعض النعام وجعلوا في آذانها السيوف وهم يسجدون لها . فقال : يا معشر قريش واللّه لقد خالفتم ملّة أبيكم إبراهيم وإسماعيل ، ولقد كانا على الإسلام . فقالت له قريش : يا محمّد إنّا نعبدها حبّا لله ، لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى ، فقال اللّه تعالى : قُلْ يا محمّد إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ وتعبدون الأصنام ليقرّبوكم إليه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ، وأنا رسوله إليكم وحجّته عليكم وأنا أولى بالتعظيم من الأصنام . وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس : إنّ اليهود لمّا قالوا : نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ، أنزل اللّه هذه الآية ، فلمّا نزلت عرضها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على اليهود ، فأبوا أن يقبلوها .
--> ( 1 ) سورة الكهف : 49 . ( 2 ) سورة الجن : 25 . ( 3 ) سورة الحديد : 16 .